منتدى ثانوية تاكزيرت التأهيلية


    شرح درس العقل

    شاطر
    avatar
    سعيد شوقي

    عدد المساهمات : 98
    تاريخ التسجيل : 09/01/2010
    العمر : 42
    الموقع : بني ملال

    شرح درس العقل

    مُساهمة  سعيد شوقي في الخميس ديسمبر 30, 2010 11:40 pm

    دلالات وإشكالات

    يظهر التفكير الفلسفي تاريخيا كخطاب يتخذ العقل أو اللوغوس أداة ومبدءا يعوض الميثوس أي الخطاب الأسطوري وآليات تفسيره للعالم. لكن العقل ليس مجرد أداة للإشتغال الفلسفي، بل يغدو أيضا موضوعا للتفكير الفلسفي. وسيرا على نهجها في وضع كل شيء موضع تساؤل واستفهام ، لا تتوانى الفلسفة عن أشكلة مفهوم العقل أي الأداة نفسها والاستفهام عن طبيعتها، قدراتها وحدودها.

    لنلاحظ أولا أنه بخلاف المفاهيم الفلسفية التقنية الأخرى، فإن استعمال مفهوم العقل ليس حكرا على الفلسفة، بل يشمل الحس المشترك أيضا. وعندما نعدد الدلالات الاجتماعية المتداولة بشأن العقل، نجد أنها تتوزع بين معنى نظري حيث يستعمل بمعنى: التذكر،الذاكرة،المنطق،الذكاء،التركيز..ومعنى عملي حيث يشير إلى الرزانة والجد والبلوغ..وهي ازدواجية حاضرة في الدلالة الفلسفية كما سنرى.

    أما الدلالة الاشتقاقية لكلمة "عقل" في العربية فتركز على البعد العملي وتشتق من عقل أي ربط والعقال هي الحبل التي تربط به الدابة، وقد سمي العقل كذلك لأنه يكبح صاحبه عن التورط في المهالك؛ وبالمقابل نجد تركيزا على البعد انظري في اللغتين اللاتينية واليونانية فــlogos تعني اللغة والعقل والنظام، فيما تعني ratio التفكير والحساب.

    أما إذا تتبعنا تاريخ الفلسفة، فسنجد أن دلالة مفهوم العقل قد عرفت تحولا جذريا في الفلسفة الحديثة مع ديكارت ، حيث أصبح هذا المفهوم يشير إلى ملكة وأداة المعرفة المميزة للذات العارفة بعد أن كان يعنى به نظام أو مبدأ نظام الكون بالدرجة الأولى (الكوسموس).وهكذا فدلالة العقل تتخذ معنيين:

    -المعنى الموضوعي: وهو المعنى الذي ركزت عليه الفلسفة اليونانية ومن بعدها الفلسفة الإسلامية، بحيث يشير العقل إلى النظام أو مبدأ نظام الكون ، ولذلك فإدراك نظام الكون هو "تعقل" له أو تطابق العقلين الإنساني والكوني وهي الغاية الأسمى للتفلسف، ونظام الكون والطبيعة واتساقهما البديع ليسا سوى تجل لعقل كوني وما العقل الإنساني سوى قبس منه. ولهذا السبب أيضا تعتبر الصدف والخوارق لا عقلية.

    -المعنى الذاتي: بدأ التركيز على هذا المعنى والاقتصار عليه منذ ديكارت ويعرف العقل هنا بأنه النور الطبيعي وملكة وأداة المعرفة التي تتوفر عليها كل ذات عارفة. وللعقل بهذا المعنى وظيفتين:

    # *وظيفة منطقية تشمل الاستدلال والحدس(الذي هو استدلال مباشر)اعتمادا على مبادئ كلية مجردة كالهوية،عدم التناقض والثالث المرفوع وكذا مبدأ السببية؛
    # *وظيفة معيارية تتمثل في الحكم والتقييم اعتمادا على معايير ثلاث: الحق(المتعلق بالأقوال والقضايا)،الخير(الأفعال)ثم الجمال(الأحاسيس)

    نلخص ما سبق بالقول أن مفهوم العقل يعني ملكة المعرفة المتجلية من خلال أنشطة الاستدلال والحدس اعتمادا على مبادئ كلية مجردة (وظيفة منطقية)ثم الحكم اعتمادا على معايير(وظيفة معيارية).

    طبيعة العقل ووظائفه



    تتضمن الدلالات الفلسفية السابقة عدة عناصر يمكن استثمارها لبناء إشكالية الدرس: فإذا كان العقل هو ملكة المبادئ كما تقدم، فما مصدر هذه الأخيرة وبالتالي ما مصدر المعارف المحصل عليها باستخدامها؟هل يستمدها العقل من ذاته باعتباره ملكة فطرية؟أم يستخلصها ويستقبلها من التجربة كما لو كان مرآة عاكسة وبعبارة أخرى ما دور العقل و ماوظيفته في عملية المعرفة ؟

    إن التساؤل حول طبيعة العقل يعني التساؤل حول طبيعة مبادئه، فالعقل ليس شيئا آخر غير ملكة المبادئ؛ ولقد كان السؤال الذي شغل الفلاسفة منذ ديكارت بالخصوص هو طبيعة هذه المبادئ ومصدرها: فأما العقلانيون فيعودون بأصلها إلى العقل نفسه مؤكدين على فطريتها، في حين يشدد التجريبيون على دور التجربة والمعطيات الحسية في تشكيل هذه المبادئ وما يترتب عليها من معارف.

    1- طبيعة المعرفة و مبادئ العقل في الفلسفة العقلانية:

    يتمثل أكبر دليل على فطرية مبادئ العقل و المعرفة عموما - عند ديكارت - في فطرية ملكة العقل نفسه وكونه أعدل الأشياء قيمة بين الناس، واحدا لديهم جميعا، وتشهد على ذلك أمور كثيرة منها أنه العلامة الفارقة بين الإنسان والحيوان مما يفرض وجوده كاملا لدى كل إنسان؛ ثم اعتقاد كل فرد أنه قد أوتي منه الكفاية بينما لا يتوقف عن الشكوى وطلب المزيد في الصفات الأخرى؛ أما الإختلاف بين الناس في القدرة على إدراك الحقيقة فيرجع إلى اختلاف طرق ومناهج استخدام العقل لا إلى العقل نفسه، وبناءا على هذه القناعة وضع ديكارت كتاب " قواعد المنهج لحسن قيادة العقل " إذ ليس المهم أن يكون للإنسان عقل بل المهم أن يحسن استخدامه.
    إذا ثبتت فطرية العقل و مبادئه لزمت عنها فطرية المعرفة عموما وأولوية العقل في إنتاجها مع تهميش دور التجربة والحواس الذي سينحصر في مجرد إثارة الأفكار والمبادئ والطبائع الفطرية. ولتسويغ هذا التهميش، يسوق ديكارت الدليل المعروف بخداع الحواس: فهذه الأخيرة تمدنا أحيانا بمعرفة خادعة غير مطابقة للواقع لولا تدخل العقل لتصحيح ذلك؛ وهذا كاف في نظره لاستبعاد الحواس و التجربة والاقتصار على العقل كمصدر للمعرفة اليقينية ، لأن كما يقول ديكارت :"ما خدعني مرة من يدريني أنه لن يخدعني مرات أخرى؟".

    كما يستدل ديكارت أيضا بعلم الرياضيات: فهاهنا علم نموذج لليقين وهو مع ذلك علم تجريدي لا يختص مباشرة بالمحسوسات، فالكائنات الرياضية كيانات عقلية مجردة وحقائقه ليست إلا ثمرة استدلالات واستنباطات عقلية خالصة؛ مما يشهد بيقينية المعارف المعتمدة على العقل وحده. وفي الواقع، لا يمكن فهم مثل هذا الموقف الخاص معزولا عن خلفيته الفلسفية والميتافيزيقية العامة التي تجعل الرياضيات نموذج العلم واليقين والمعرفة الحقة كما تجعل " العلم بالمعقولات سابقا على العلم بالمحسوسات " أي أني، قبل إدراك الشيء بواسطة الحواس، فأنا أدرك أولا فكرة الشيء الماثل في ذهني بل هي ما أدركه على نحو مباشر، وفي ذلك يقول مالبرانش :"إن الموضوع المباشر لذهننا حين نرى الشمس، ليس الشمس نفسها بل شيئا متحدا بفكرنا وهي فكرة الشمس" نلخص ما سبق بالقول أن العقل عند العقلانيين ملكةأو وعاء فطري لمبادئ وأفكار فطرية سابقة على التجربة التي لا تدرك إلا انطلاقا منها وبعدها؛ وأن المعارف التي ينتجها العقل في استقلال وغنى عن التجربة هي وحدها التي تتمتع بأعلى درجات اليقين. وليس غريبا أن تنعت عقلانية ديكارت و لايبنتز بالعقلانية الدوغمائية بسبب كل هذه الوثوقية في قدرة العقل وحده0

    2-التصور التجريبي لطبيعة العقل ووظيفته:

    يمكن اعتبار الفلسفة التجريبيةالتي ظهرت في انجلترا رد فعل مباشر على المغالاة الكامنة في الأطروحات العقلانية، وإن كان التقليد الإنجليزي تغلب عليه أصلا النزعة التجريبية منذ بيكون. ويتلخص الموقف التجريبي في قولة شهيرة لــ جون لوك :" العقل صفحة بيضاء والتجربة تنقش عليها مختلف المعارف "أي أنه لاوجود لشيء في العقل إلا وقد سبق وجوده في الحس، فهو والتجربة المصدران الأولان للمعرفة الإنسانية. وبصفة عامة، فالفلسفة التجريبية تكاد تكون هي الفلسفة العقلانية معكوسة، وتكاد كل أطروحة عقلانية تجد نقيضها لدى التجريبيين: فإذا كان العقلانيون يضعون في العقل مبادءا وأفكارا فطرية كمبدأ الهوية وفكرة اللامتناهي، فإن جون لوك يتساءل بشيء من السخرية: "هل أنا محتاج إلى مبدأ الهوية لأعرف أن النار هي النار؟ولماذا لايعرف الأطفال والبدائيون مثل هذه المبادئ ؟ إن ذلك يثبت أن المعرفة الإنسانية مستغنية عن مثل هذه المبادئ المزعومة التي لاتوجد في العقل بقدر ما توجد في مصنفات الفلاسفة. وإذا كانت فكرة اللامتناهي فطرية عند ديكارت لإستحالة وجود اللامتناهي في المحسوس واستحالة إدراكه بالحواس، فهي عند التجريبيين فكرة مكتسبة ومركبة بفعل إضافة مقادير متناهية إلى بعضها بشكل مستمر.

    ويذهب جون لوك إلى حد رد جميع معارف العقل ومبادئه إلى التجربة الحسية: هناك أولا معان بسيطة مدركة ظاهرا بالحواس كالحرارة والألوان أو مدركة باطنا عندما تتأمل النفس عملياتها الخاصة كالإرادة والخوف وغيرهما؛ ومن هذه المعاني البسيطة تنشأ المعاني المركبة كالبنوة والزمان والجمال... وبإختصار، فلا شيء في العقل إلا وقد سبق وجوده في الحس.

    وإذا كان العقلاني لآيبنتز قد جعل مبدأ السببية مبدءا عقليا خالصا بموجبه فقط يرتبط السبب بالنتيجة ارتباطا ضروريا، فإن دافيد هيوم لا يرى في هذا المبدأ سوى نتاج للعادة وتكرار التجارب الذي يجعل الفكر يلاحظ علاقة تتكرر باستمرار بين بعض الظواهر، بحيث يتوقع حدوث إحداها عقب حدوث الأخرى: كتوقع حدوث الإحتراق عقب تقريب الورقة من النار، فيحكم الفكر بوجود علاقة سببية بينهما، وبالتالي فالسببية علاقة تجريبية غير مستنبطة بموجب ضرورة منطقية أو عقلية.

    ثم إن دراسة اللغة - بالنسية للتجريبيين – تؤكد وضع التجربة كمصدر لجميع الأفكار والمعاني العقلية : فالألفاظ أطلقت في البداية على جزئيات محسوسة ثم نقلت بالتدريج للدلالة على كليات مجردة عند وجود التشابه وإسقاط الأعراض الذاتية، كما نقلت للدلالة على الروحيات بالتشبيه والمجاز.

    وباختصار، فالتجربة والحس مصدرا جميع المعارف والمعاني بما في ذلك المبادئ التي يشتغل وفقها العقل: فالعلم بالمحسوسات سابق على العلم بالمعقولات التي تشتق منها. وإذا كان العقلانيون قد بلغوا في تقدير العقل حد جعله قادرا على الخوض في ما وراء الطبيعة (الميتافيزيقا)، فإن التجريبيين يحصرون حدود المعرفة ضمن حدود التجربة وما يقع تحت طائلة الحواس وما يشتق من انطباعاتها، ولربما أنكروا في النهاية وجود العقل أصلا مادام مجرد متلق ووعاء للمعطيات الحسية. ولتجاوز غلو هؤلاء وأولئك والمنزلقات الملازمة لكل غلو، صاغ إيمانويل كانط تصوره المعروف بالفلسفة النقدية.

    3-تصور الفلسفة النقدية لوظائف كل من العقل والتجربة في عملية المعرفة:

    إن التجربة الحسية هي نقطة البدء عند كانط : فبدون ما تنقله إلينا الحواس لا يمكن إدراك أي موضوع من الموضوعات. إنه إذن يقر للتجريبيين بأن المعرفة الحقة تبدأ من معطيات التجربة، لكن هذه المعطيات الحسية تظل مشتتة وغامضة وبالتالي دون مستوى التجربة الإدراكية الكاملة إن لم تتدخل بعض المبادئ والمقولات العقلية المنظمة غير المتضمنة في المعطيات الحسية: فكانط إذن يحتفظ من جهة أخرى بدعوى العقلانيين القائلة بأن مبادئ العقل وحدها قادرة على إضفاء صفات الشمولية والضرورة واليقين وكلها صفات تفتقدها التجربة المتصفة بالجواز والتغيروالجزئية.

    وهكذا فإن الجمع بين الموقفين هو الذي يسمح لنا بأن نفهم كيف أن المعرفة الإنسانية ضرورية وواقعية في نفس الوقت؛ أي إنه لا غنى للمعرفة عن المقولات العقلية والمعطيات الحسية معا، وفي ذلك يقول كانط :" المقولات العقلية بدون معطيات حسية جوفاء، والمعطيات الحسية بدون مقولات عقلية عمياء " وتفسير ذلك أن الحواس تقدم مادة المعرفة في حين يقدم العقل صورة المعرفة. ولكن ألا يمكن لهذه "الصورة" أي مقولات العقل أن تكون مشتقة بعديا من معطيات التجربة؟ تأكيدا للطابع القبلي للمقولات العقلية يقول كانط بأنه يمكن تصور مكان بدون أشياء وزمان بدون أحداث، ولكن لا يمكن تصور أشياء في غير مكان أو أحداث في لا زمان. وتتضمن هذه المقولات القبلية مقولتين رئيسيتين في ملكة الحساسية وهما الزمان والمكان تنضاف إليهما على مستوى الفهم مقولات كالجوهر ،السببية،الكم،الكيف،الجهة،الإضافة... وغايتها كلها تنظيم وتوحيد المعطيات والحدوس الحسية، دون أن يعني ذلك قدرة العقل على إنتاج المعرفة اعتمادا على أطره ومقولاته القبلية وحدها مع التأكيد بالمقابل أن الإدراكات الحسية تظل مجرد مادة خام بدون التنظيم والتوحيد الذي يفرضه العقل عليها. وهكذا فالإحساسات المختلفة التي نتلقاها عن موضوع خارجي كالكرسي مثلا هي شكل ولون وملمس وأجزاء وأعراض مختلفة، ولكن هذا الموضوع لا يصبح مدركا إلا إذا تم الجمع بين هذه الأعراض المختلفة ونسبتها إلى جوهر أو كيان واحد وتم تعيينها في مكان بحيث يصبح متميزا عن المدركات الأخرى المحيطة به بحيث يكون فوق أو تحت ،أمام أو خلف..مدركات أخرى.

    غير أن مساهمة الفلسفة النقدية ل كانط لا تقتصر على تعيين الوظيفة الحقيقية للعقل، بل تتجلى في رسم حدود الإستعمال المشروع لملكة العقل ولما يمكن أن تبلغه المعرفة الإنسانية بواسطة العقل: فمادام التنظيم والتوحيد الذي يقوم به العقل رهنا بتوفر معطيات حسية، فمن الخطأ الفلسفي الجسيم التعويل عليه في معرفة ما يتجاوز التجربة (الميتافيزيقا، ما وراء الطبيعة)؛ إذ لا يمكن للعقل أن يطمع في بلوغ معرفة يقينية بصددها لإنعدام حدوس حسية مقابلة للأفكار الخالصة المكونة لنسيج الميتافيزيقا .وبناءا على ذلك قام كانط بتقسيم بنية العقل إلى الملكات التالية:
    # -الحساسية: وهي ملكة تنحصر مهمتها في تلقي الحدوس الحسية اعتمادا على مقولتي الزمان والمكان؛
    # -الفهم : ووظيفتها تنظيم وتوحيد الحدوس الحسية في معرفة كلية ضرورية اعتمادا على مقولات قبلية؛ وبذلك تكون ملكة الفهم مرتبطة بالتجربة أشد الارتباط؛
    # -العقل الخالص: لا يرتبط بالتجربة إلا على نحو غير مباشر عن طريق ملكة الفهم لأن إحدى وظائفه هي إعادة توحيد ما وحده الفهم إلى أقصى درجة ممكنة، وله استعمال مفارق في مجال خاص به هو الميتافيزيقا (الله، النفس،أصل العالم..)

    إذا كان العقلانيون يعتبرون العقل المصدر الأول للمعرفة، مهملين بذلك دور التجربة التي أعاد لها التجريبيون الاعتبار على حساب إنكار كل وظيفة للعقل بما هو كذلك اللهم ، إلا تلقي الإنطباعات الحسية، فإن كانط يتجاوز غلو الموقفين بإثبات أن المعرفة الإنسانية لا تقوم إلا على معطيات حسية(التجربة ) ومقولات قبلية(العقل ) معا. ولكنه لم يستطع أن يدرك هذه المقولات والمبادئ إلا ثابتة متعالية على كل تغيير.

    بنية العقل بين الثبات والتغير



    وإذا كانت المعارف (التي ينتجها العقل اعتمادا على مبادئ ) قد عرفت ليس فقط تراكما بل تغيرا وشهدت قطائعا، أفلا يسري قانون التغير والتطور على مبادئ العقل نفسها وبالتالي هل مبادئ العقل ثابتة أم متغيرة؟ مما لاشك فيه أن المعرفة الإنسانية خضعت وتخضع لتغيرات جزئية و كلية جذرية، أفلا يخضع العقل وهو منتجها لنفس قانون التغير؟ وبتعبير آخر هل يتأثر العقل بإنتاجاته وهل تقع مبادئ العقل داخل التاريخ أم خارجه؟ هل هي تاريخية أم فوق تاريخية؟ وباختصار:هل تتأثر الأداة بالتغير الذي يلحق إنتاجاتها؟

    هناك تصوران مختلفان بصدد هذه الأسئلة: عقلانية كلاسيكية سطاتيكية تنتصر للثبات بناء على قراءة خاصة للمعطيات العلمية لعصرها، وعقلانية معاصرة تقول باستحالة انفلات العقل من دائرة التغير والتاريخ، انسجاما مع الدروس المستخلصة من الثورة العلمية المعاصرة.

    1-التصور السطاتيكي لبنية العقل:

    تنبه الفلاسفة مبكرا إلى أن العقل يشتغل وفق ثوابت ومبادئ تحضر كليا أو جزئيا في جميع الاستدلالات والعمليات الذهنية التي يمارسها العقل. وقد استطاع أر سطو صياغة ثلاث منها:الهوية،عدم التناقض والثالث المرفوع.واعتبر المعلم الأول أن التفكير المنطقي مستحيل خارج هذه المبادئ؛ وفي العصر الحديث نجد ديكارت المعجب بالنموذج الرياضي، يجعل معيار البداهة معيارا عقليا مطلقا يسمح بتمييز الأفكار والحقائق، إضافة إلى أن العقل نفسه ليس سوى مستودع لأفكار ومعان فطرية سابقة على التجربة غير متأثرة بها.

    وإذا كانت الفلسفة النقدية ل كانط قد مثلت تجاوزا للعقلانية الدوغمائية، فإنها ظلت مع ذلك حبيسة نزعة اسطاتيكية من حيث أن المبادئ والأطر القبلية للعقل هي شروط لإدراك التجربة ولا يمكن أن تكون مشروطة بدورها أو قابلة للتأثر بالموضوعات التي تنصب عليها. لقد جعل كانط مثلا من المكان صورة حدس خالص معطيا إياه الصفات المطلقة التي تصورها أقليدس للمكان، ولهذا يمكن اعتبار المكان ال كانط ي مكانا أقليديا متجانسا متماثلا ولانهائيا ومتصلا لايصيبه التحول أو التغير وهي صفات تعطي للمكان خصائص تميزه عن الواقع الفيزيائي وتجعله وعاءا قبليا يستحيل إدراك هذا الأخير بدونه. وعلى هذا الأساس أيضا قامت الميكانيكا النيوتونية: فـنيوتن يعرف المكان بأنه المكان المطلق بنفسه وبطبيعته الذاتية مماثل لذاته ودون أي علاقة بشئ خارجي عنه وهو أيضا مستوى تام الإستواء بدون انحناء أو تحدب.

    كذلك اتخد كانط من الزمان صورة قبلية للحساسية وشرطا ذاتيا لتصور نظام تتالي الأشياء وترتيبها التعاقبي وتآنيها وأساسا قبليا ومطلقا لمبدأ العلية ملتقيا بذلك مع التصور النيوتوني للزمان، ذلك الزمان الرياضي المطلق بنفسه وبطبيعته الذاتية،الذي يجري بالتساوي ودون أية علاقة بأي شئ خارجي عنه.

    وقد ساهم العلم الكلاسيكي من جهته في ترسيخ مقولة عقلية مثلت إحدى دعائم العقلانية الكلاسيكية وهي مقولة الحتمية القائلة بخضوع الظواهر لقوانين ثابتة تسمح في أقصى مظاهرها بالتنبؤ بالنتيجة انطلاقا من السبب واستنباط السبب انطلاقا من النتيجة ، كما في عبارة لابلاص الشهيرة.

    وبشكل عام، تنظر العقلانية الكلاسيكية إلى العقل كبنية مكتملة ثابتة مغلقة أي لا تدخل في أي تفاعل مع موضوعها، ذات مضمون نهائي .غير أن تطور العلوم الصورية منها والتجريبية والإنسانية - أواخر القرن 19 وبداية 20 - أحدث أزمة إبستملوجية كان من نتائجها زعزعة اليقين الفلسفي في ثبات مبادئ العقل .فكيف استخلصت الفلسفة درس الأزمات العلمية الإبستملوجية؟

    2-مظاهر أزمة التصور الكلاسيكي ونشوء تصور دينامي لبنية العقل :

    تعتبر فلسفة هيغل من أوائل الفلسفات التي انتبهت إلى طابع القصور الذي يميز المنطق الأرسطي، باعتباره دعامة العقلانية الكلاسيكية. وقد استلهم هيغل في هذا النقد فيلسوف الصيرورة هيراقليط، وانتهى إلى أن مبادئ المنطق الأرسطي مجردة وصورية لا تعكس حركية الواقع والتاريخ، وبالمقابل بنى منطقه الجدلي على مبدأين أساسين :
    # -الصيرورة: كتجاوز واحتواء لمبدأ الهوية، لأن هوية الكائن أو الظاهرة تكمن في صيرورتها وتحولها؛
    # -التناقض: كمحرك للصيرورة، فكل كائن يحمل في ذاته نقيضه الذي هو سر وجوده وشرط تحققه. مما يجعل كل تعريف أو هوية سلبا بالضرورة.

    وهكذا فالعقل أو المنطق الجدلي يشتغل وفق حركة ثلاثية لا تتوقف :الأطروحة – النقيض --- التركيب(أطروحة جديدة)، ولأن هيغل واثق من قدرة تصوره هذا للعقل أن يعكس ليس حركية الطبيعة فحسب بل والتاريخ أيضا ، فإن "كل ما هو عقلي فهو واقعي وكل ما هو واقعي فهو عقلي" .

    غير أن التجديد الحقيقي الذي طال التصور الفلسفي لعلاقة العقل بالتاريخ وبتقدم المعرفة لم تكتمل صياغته وتبرز ملامحه إلا منذ بداية القرن 20 حيث تجلت مظاهر أزمة التصور السطاتيكي لبنية العقل واضحة بالخصوص في مجالات معرفية اعتبرت قلاعا عقلية حصينة: كالفيزياء النظرية والميكروفيزياء والرياضيات والمنطق



    أمثلة:. في الميكروفيزياء، اكتشفت الطبيعة المزدوجة للضوء متحدية مبادئ الهوية والثالث المرفوع، أما الظواهر العشوائية في مجال النظرية الحركية للغازات فقد أعادت النظر في مفهوم الحتمية فاسحة المجال أمام مفهوم الإحتمال والقوانين الإحصائية، أما الفيزياء الكوانطية فقد ذهبت إلى حد القول باللاحتمية واعتبارها صميمية في المجال الذري حيث يتعذر علينا أساسا تحديد الموقع والسرعة الابتدائيين للإلكترون بالمفهوم الكلاسيكي تعذرا مبدئيا، ومن جهة أخرى فرضت نتائج الكوانطية إعادة النظر في مفهوم الموضوع الفيزيائي نفسه والذي نزعت منه صفات الشيئية واكتسب صفات رياضية،... وفي الرياضيات المعاصرة ظهرت الهندسات اللاأقليدية مع ريمان ولوباتشوفسكي، حيث لم يعد المكان الأقليدي المستوي سوى حالة خاصة بجانب المكان المقعر أو المحدب ،كما تطورت نظرية المجموعات والمنهج الفرضي الاستنباطي وبموازاتهما المنطق المعاصر متعدد القيم.

    ولابد في هذا السياق من ذكر الدراسات الأنثروبولوجية التي كشفت النقاب عن أنماط التفكير الخاصة بالمجتمعات البدائية الذي يعتمد على مبدأ المشاركة لا الهوية دون أن يعني ذلك –حسب ليفي ستروس-الإنتقاص من قيمتها مقارنة بالفكر العلمي. فافكر المتوحش يتوفر علىنفس المؤهلات المنطقية التي تمنعنا من اعتباره سابقا عى المرحلة المنطقية الحاضرة: انه والفكر العلمي الحديث مستويان من حيث العمليات العقلية المنطقية المفترضة في كل منهما والتي تختلف في طبيعتها بقدر ما تختلف حسب انماط الظواهر التي تنطبق عليها تلك العمليات العقلية، رغم خرقه للمبادئ المنطقية الثلاثة التي تحدث عنها أرسطو.

    كيف ساهمت إذن هذه المستجدات في صياغة عقلانية منفتحة تقر بدينامية بنية العقل؟ تعتبر إبستملوجيا باشلار واحدة من الفلسفات التي حاولت استيعاب الدرس الناجم عن تقدم العلوم وتعرضها لأزمات داخلية لبناء عقلانية جديدة مرنة مخالفة لتحجر العقلانية الكلاسيكية : فلم يعد ينظر إلى العقل كجوهر ثابت أو بنية قبلية متعالية ومطلقة، بل كأداة لإنتاج المعرفة تنمو وتتطور من خلال عملية إنتاج المعرفة ذاتها، بحيث ينفتح ويوسع تصوراته ومبادئه لاستيعاب وقائع جديدة لم يكن يعمل عليها من قبل كالنقائض الرياضية،اللاحتمية الفيزيائية،الصدفة والاحتمالات. وقد استخلص باشلار نتائج ذلك حين قال: "ينبغي إعادة العقل إلى الأزمة وإثبات أن وظيفة العقل هي إثارة أزمات"، فالأزمة ليست مأزقا أو فضيحة إلا بالنسبة للعقلانيين المتشبثين بتصور مطلق وثابت عن العقل، أما من يطبق على العقل مسلسل النسبية الذي يميز كل نهج عقلاني فلابد وان يرى تمكن العقل من ادراك الواقع والامساك به، إن الأزمة إذ تثبت قصور مبادئ العقل الحالية، تفرض بالمقابل توسيع هذه التصورات والمبادئ لإستيعاب وتمثل المعطيات الجديدة؛ لذلك يرى فرنان أن العقل العلمي عقل تجريبي وإشكالي بالضرورة، لا يتقدم إلا بفضل تساؤل لا ينقطع وإعادة نظر في الوقائع والنظريات بل وفي مبادئه نفسها ذاتها: فسواء تعلق الامر بمبدا الجوهر او مبدأ الهوية فان كل هذه المبادئ قد وضعت موضع سؤال و أعيد تأويلها بدلالة تقدم البحث العلمي، وليس في وسعنا- والحالة هذه- افتراض عقل خارج التاريخ- كما في العقلانية الكلاسيكية- عقل يهيمن من الخارج على تقدم العلوم ويسيرها محددا مسار الحركة العلمية في مجموعها انطلاقا من مبادئ عقلية وضعت مسبقا وبصفة نهائية. ويضيف « فرنان » أننا بالسؤال عن اصول العقل، فاننا نقحمه في التاريخ ونعامله توا على انه ظاهرة بشرية ومن ثمة على انه نسبي خاضع لشروط تاريخية معينة متقلب بتقلب تلك الشروط. إذ من الواضح ان تقنيات التفكيرهذه تتغير وتتبدل تبعا لما تنصب عليه من موضوعات، انها تتبدل حسبما اذا كانت تستعمل اللغة العادية شان المنطق الارسطي، اوما اذا كانت تستعين بمنظومات رمزية كما هوالشأن في الرياضيات.

    ان العقل إذن محايث للتاريخ البشري في جميع مستوياته ولا يمكننا البتة ان نفصله عن المجهودات التي ماينفك الانسان يبذلها ويجددها لفهم العالم الطبيعي والبشري. إن العقل يضع ذاته ويحولها عندما يصنع الادوات التقنية والوسائل العقلية التي يفهم عن طريقها الاشياء. انه يبني ذاته حينما يشيد مختلف مجالات المعرفة.

    >>يتبين أخيرا، أن في العقلانية المعاصرة التي يؤازرها العلم والتي تتخد منه منظومة اسنادها, يراجع العقل نفسه ويعيد فيها النظر باستمرار، فهو في نقاش ازلي وصراع ابدي مع ذاته . انها عقلانية سجال ، المفاهيم فيها خلاصة نقد المفاهيم وحصيلة الانتقدات الموجهة الى المفاهيم السابقة . العقل لا يقر له قرار ، حركة الحقيقة هي النفي والتجاوز، الا انه نفي غير آلي، بل نفي تركيبي وتوسيعي

    العقلي واللاعقلي في الإنسان



    إذا كان من الشائع تعريف الإنسان بأنه حيوان عاقل، وإذا كان التعريف عند المناطقة يحدد الأساسي والجوهري في الشيء، فهل يعني ذلك أن اللاعقل ينتمي إلى الثانوي والعرضي؟ وهل يجيز ذلك إمكانية اختزال الإنسان إلى بعده العقلاني؟وفي هذه الحالة ما مكانة اللاعقل في حياة الإنسان ووجوده ومن ثم في تعريفه؟ وكيف يتفاعل كل من العقل و اللاعقل؟

    لقد تولدت اشكالية العلاقة بين العقل واللاعقلي من خلال اعادة النظر في تعريف طالما اعتبر بديهيا مفاده أن "الانسان حيوان عاقل" وفي هذاالاطار تتموقع أسئلة من قبيل: هل يستطيع العقل ان يستوعب مختلف أبعاد الإنسان وجوانب حياته؟ اليس ما يدخل في خانة اللاعقلي بعدا ضروريا في الانسان ؟ بالتالي أليس العقل نفسه في حاجة الي اللاعقلي متمثلا في الخيال والعاطفة والاهواء والاحلام والغرائز..؟

    لم يكن ممكنا طرح مثل هذه الأسئلة في إطار العقلانية الكلاسيكية فهذه الأخيرة بدأت كمشروع طموح لإعلاء العقل كقيمة مطلقة ضد كل أشكال الإلحاق والرقابة التي كانت تمارس عليه، لكنها انتهت الى نوع من التطرف: إن رغبة الفلسفة في تجاوز الأسطورة لأجل تعقل الإنسان والعالم دفعتها دوما إلى استبعاد الخوارق والقوى الغيبية والفوضى... بإعتبارها لاعقلية مفتقدة إلى النظام. وإذا تعلق الأمر بالإنسان، فإن ذلك يقود حتما إلى إمتداح بعده العقلاني وفصله عن جوانبه اللاعقلية الأخرى كالغريزة والهوى والإنفعال...ويتجلى النموذج البارز لهذه العقلانية المعتدة بنفسها في التصنيف الأفلاطوني ،الذي جرت استعادته بأشكال مختلفة عبر تاريخ الفلسفة، حيث تصنف قوى النفس إلى قوة شهوانية وقوة غضبية ثم القوة العاقلة المدعوة إلى السمو والهيمنة عليهما وكأنها مستقلة قائمة بذاتها. يقول أفلاطون في الكتاب السادس من الجمهورية: " تبدو لي بعض اللذات والرغبات غير فاضلة، والراجح انها غريزية فينا، بيد أن القوة العاقلة لدى البعض تستطيع إخراسها بمساعدة القوانين والرغبات الفاضلة، بل تستطيع اجتثاتها فلا يفضل منها سوى نزر يسير؛ لكنها لدى البعض الآخر تسود وتسيطر وتهيمن كما يحدث أحيانا في النوم حيث تغفل القوة العاقلة وينطلق الجانب الحيواني المتوحش طاردا النوم باحثا عن إرواء نزواته"؛ .

    سيستمر تمجيد العقل وامتداحه ليبلغ أوجه في العصور الحديثة على ضوء التقدم الهائل الذي احرزه العقل في مجال العلوم وتحديدا الفيزياء. لقد غذى هذا التقدم الأمل في قدرة العقل على سبر أسرار الطبيعة والكون واكتشاف القوانين المتحكمة فيهما، مقللا بذلك مساحة الجهل والوهم باستمرار، لذلك قدم العقل كقوة متحكمة ومشرعة ليس في مجال المعرفة فحسب بل والاخلاق والسياسية والاقتصاد أيضا، بحيث إنتهى الوضع إلى مايشبه إمبريالية العقل كما يقول إدغار موران : ففي مجال الإقتصاد مثلا، قدمت الرأسمالية نفسها كنظام إقتصادي عقلاني يخضع كل العلاقات الإقتصادية للحساب عبر المنطق الموضوعي للسوق. وتجلى الأمر واضحا في التايلورية التي جزأت ونمطت مهام العامل بحثا عن أقصى درجات المردودية والفعالية. حتى الأنساق والفلسفات الأخلاقية والسياسية لم تتردد في الإعلان بأن مقدماتها ومبادئها ومراميها موافقة للعقل. وعلى ضوء الإنتصارات التي حققتها العلوم الطبيعية، برز الأمل في إخضاع الإنسان والظواهر الإنسانية بدورها للمعالجة الموضوعية الحسابية التي تتنكر للذاتية. وقد عبرت المدرسة الوضعية مع أوغست كونت عن هذه الحماسة العقلانية في تصنيفها لتاريخ الفكر البشري إلى حقبة غيبية وأخرى ميتافيزية ولتا وانقضتا لتحل محلهما المرحلة العلمية الأخيرة.

    فنحن إذن أمام عقلانية أحادية اختزالية لاترى أو لاتريد أن ترى من الكائن الإنساني غير بعده العقلاني. وقدم صاغ هيغل في هذا الصدد نسقا فلسفيا جسد على نحو غير مسبوق الطابع الكلياني الشمولي المميز للعقلانيات الكلاسيكية: ففلسفة هيغل مركب فكري يستعرض ظواهر الطبيعة الجامدة والحية وظواهر المعرفة والتاريخ كتجليات للعقل المطلق في سعيه إلى وعي ذاته والتطابق معها.

    لكن إذا كان الإنسان عاقلا، فالناس ليسوا عقلاء كما قال إيريك فايل: فالإنسان منظورا إليه بشكل عام ومجرد هو فعلا عنوان لجنس من الكائنات يميزها العقل، لكن ذلك لايعني أن العقل هو الموجه الوحيد للأفراد في وضعيات الحياة الملموسة حيث يتجاذب سلوكاتهم ومواقفهم واختياراتهم كل من العقل واللاعقل بإستمرار.

    إنه إذن نقد للعقلانية الأحادية الإختزالية. وفي هذا الإطار تندرج الفلسفات التي تستوحي الإيمان الديني - الذي طالما احتقرته عقلانية عصر الانوار المتحمسة – وكذا الوجدان لفهم ألغاز الوجود ولمحاولة الإجابة على أسئلة الوجود الإنساني؛ لقد دافع روسو عن دور العاطفة والوجدان في حياة الانسان جاعلا العاطفة لاالعقل أساسا للأخلاق والتربية؛ اما كيركفارد أبو الوجودية( 1855-1813) فقد رفض الطابع المجرد وغير الشخصي الذي يميز النظرة العقلانية للإنسان كما عبر عنها هيفل إذ ليس المهم أن نعرف الإنسان بصفة عامة او نفسره بصفة مجردة ضمن أنساق عقلية كلية ، بل المهم أن نلقي الضوء على وجوده الفردي الشخصي الزماني، وذلك عن طريق وصف المواقف البشرية على اختلاف أنواعها، والعمل على فهم الوقاءع المباشرة للشعور على نحو مانعيشها في خبراتنا الوجودية وتجاربنا الشخصية حيث نعثر بجانب النظام والعقلنة على التناقض والحيرة والتردد والتوتر أي اللاعقلانية الذي يطبع وجود كل فرد على حده كما يطبع الوجود الإنساني بصفة عامة والذي لايمكن اختزاله إلى أي شكل من أشكال العقلنة،هذه العقلنة والنسقية ليستا سوى تحليقا في سماء المجردات والماهيات لاتزبدان الإنسان إلا ابتعادا عن الوجود والكينونة، لذلك لم يتردد كيركجارد في القول: " أنا أفكر إذن أنا غير موجود !" . (نص: "العقلانية الكلاسيكية ونفيها").

    ويمكن القول ان اكثر النقد المعاصر للعقلانيية يمتح اسلحته من نتائج العلوم الانسانية كعلمي النفس والاجتماع وغيرهما التي كشفت عن وجود اللاعقلي ضمن العقل ومن جهة ووجود أنماط خاصة من العقلنة ضمن اللاعقلي نفسه من جهة اخرى: فما يبدو لاعقليا في الظاهر إنما يمتلك في الواقع معقولية خاصة به، فالاحلام التي ينظر إليها غالبا باعتبارها نتاجا لامعنى له يتولد عن نشاط عقلي منقوص تخرق طبيعة أحداثه ومنطقها وتسلسلها معطيات المنطق والواقع معا. غير أن تفسير الاحلام في ضوء نظرية اللاشعور قد مكن فرويد من التاكيد على ان اللامعقولية التي تتصف بها الاحلام ليست إلا شيئا ظاهريا ووسيلة يتجنب من خلالها الهو رقابة الأا الأعلى وهو يعبر مكنوناته ومكبوتاته، وأن العقل الواعي المنطقي ليس سوى جزء من منطقة لاشعورية تتم فيها مجموعة من العمليات والرغبات تختار إستراتيجية الكشف عن نفسها في صورة لا معقولة في الاحلام والهذيان العصابي او الفصامي. وهكذا فالتحليل النفسي هو محاولة لإكتشاف المعنى والمنطق ومن ثم المعقولية التي تعبر عنها لامعقولية الاحلام، مادام ممكنا العثور خلف الطابع المرموز والغامض واللامعقول الذي تتخده الاحلام مجرد ميكانيزم اوحيلة تتيح للواقع والرغبات المكبوتة ان تعبر عن نفسها من اجل خفض التوتر وتحقيق التوازن النفسي. من هنا نستنتج ان الحياة النفسية للانسان نسيج من العقل واللاعقل وان الانا ليس سوى اداة للتوفيق بينهما أي بين الرغبات واللامعقولة للهو وقواعد الانا الاعلى التي يعتبرها المجتمع معيارا للمعقولية وهذا ماحدا بـ فرويد الى القول بصدد الاحلام: "ان لا معقولية الاحلام ليست سوى شيء ظاهري لا يلبث ان يختفي عن نمعن النظر في الحلم" ( نص "معقولية الاحلام" ) و كما قال ميشيل فوكو فليس اللامعقول سوى حيلة يستخدمها العقل لكي يعاود الظهورمن جديد.

    ويمكن ان نضيف مثالا آخر للتداخل بين العقلي واللاعقلي وهو الاهواء: فغالبا ماينظر الى الاهواء على انها نقيضة العقل مادام ان الطابع المميز للسلوك الذي يحركه الاهواء، من حيث تقابل سلوك الهوى مع الموقف او السلوك العقلي هو فقدان السيطرة والتحكم في الذات أي ان الانسان تحت وطأة الاهواء يكون منفعلا لافاعلا. واستنادا الىهذه النظرية، هل تعني الاهواء غياب التماسك ومن ثم غياب العقل ؟ الا تخضع السلوكات التي تحركها الاهواء لإعداد وتهيئ فكري مسبق ؟ هناك حالات من الأهواء تستهدف أنشطة نبيلة سامية تلتقي وأهداف العقل كما في حالة هوى أو ولع القراءة، وفي حالات أخرى تمارس الذات تحت وطأة الهوى تفكيرا عقليا ذكيا، لكنه تفكير مسخر للاهداف الانفعالية كما هو تفكير وسلوك البخلاء يصورهم الجاحظ مثلا.

    وأخيرا ألا يمكن للأفراط في العقلانية أن يفضي إلى اللاعقلانية بدوره كما هو الحال في العقل الحسابي للرأسمالية التي ينتهي إلى التضحية بالإنسان وتشييئه وتنميط رغباته بل ومحاولة توجيهها والتحكم فيها بإسم مبدأ الربح والمردودية. ألا يغدو الإنسان - حسب عبارة هربرت ماركوز – إنسانا ذا بعد واحد

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء سبتمبر 20, 2017 3:02 pm